سليمان بن موسى الكلاعي

203

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

النجاشي مع عمه ، وكان لبيبا حازما من الرجال ، فغلب على أمر عمه ونزل منه بكل منزلة ، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها : والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه ، وإنا لنتخوف أن يملكه علينا ، وإن ملكه علينا ليقتلننا أجمعين ، لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه . فمشوا إلى عمه ، فقالوا : إما أن تقتل هذا الفتى أو لتخرجنه من بين أظهرنا ، فإنا قد خفناه على أنفسنا . قال : ويلكم ! قتلت أباه بالأمس وأقتله اليوم ! بل أخرجه من بلادكم . فخرجوا به إلى السوق فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم ، فقذفه في سفينة فانطلق به حتى إذا كان العشى من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته . ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هو محمق ليس في ولده خير ، فمرج على الحبشة أمرهم ، فلما ضاق عليهم ما هم فيه قال بعضهم لبعض : تعلموا والله أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره الذي بعتموه غدوة ، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه . قالت : فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه فأخذوه منه ، ثم جاؤوا به فعقدوا عليه التاج وأقعدوه على سرير الملك ، فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه ، فقال : إما أن تعطونى مالي وإما أن أكلمه في ذلك . فقالوا : لا نعطيك شيئا . قال : إذا والله أكلمه . قالوا : فدونك . فجاءه فجلس بين يديه ، فقال : أيها الملك ، ابتعت غلاما من قوم بالسوق بستمائة درهم ، فأسلموا إلى غلامي وأخذوا دراهمى ، حيث إذا سرت أدركوني فأخذوا غلامي ومنعوني دراهمى . فقال لهم النجاشي : لتعطنه دراهمه أو ليضعن غلامه يده في يده فليذهبن به حيث شاء ! قالوا : بل نعطيه دراهمه « 1 » . وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه وعدله في حكمه رحمه الله تعالى ، وعن عائشة قالت : لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور . وذكر ابن إسحاق « 2 » أيضا ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، أن الحبشة اجتمعت ، فقالوا للنجاشي ، يعنى عندما وافق جعفر بن أبي طالب على قوله في عيسى ابن مريم :

--> ( 1 ) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ( 3 / 123 - 124 ) . ( 2 ) انظر : السيرة ( 1 / 281 ) .